مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

القاهرة والرياض.. علاقات تاريخية.. ومواقف مشتركة

 

العلاقات المصرية السعودية نموذج فريد في كيفية بناء شراكات استراتيجية حقيقية قادرة على الصمود والتصدي لكافة المتغيرات الإقليمية والدولية المتعاقبة.

فمصر والسعودية تشكلان القوتين الأكبر ومركز الثقل الأهم في المنطقة العربية؛ إذ ترتكز العلاقات بينهما على جذور تاريخية عميقة وراسخة في وجدان الأمة، مشكلة جدارا صلبا ونسيجا متماسكا يصعب اختراقه أو النيل منه أمام مختلف التحديات الراهنة، وهذا ما عكسته بوضوح زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى مصر ولقاؤه بأخيه الرئيس عبد الفتاح السيسي ؛ فهى تأتى فى لحظة فارقة تتجاوز بأبعادها حدود الزيارات الدبلوماسية التقليدية؛ لتعقد هذه القمة الاستثنائية وسط إقليم يعيش على وقع اشتعال غير مسبوق، وتهديدات مباشرة تمس سلامة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، مما جعلها تكتسب أهمية خاصة ومحط ترقب دولي واسع، خاصة وأن الدولتين يعدان بمثابة رمانة الميزان الضامنة لاستقرار الشرق الأوسط بأسره.

وقد بعثت المباحثات الثنائية رفيعة المستوى رسالة حاسمة ومباشرة تقطع الطريق بشكل تام أمام المحاولات المغرضة التي تسعى لبث الفتنة أو عرقلة مسيرة التكامل التنموي الممتد ما بين "الهرم والحرم"، وقدمت وقائع القمة الاستثنائية ومجرياتها دلالة قاطعة على وجود "كيمياء سياسية واستراتيجية" رفيعة المستوى تشد أزر العلاقة بين القاهرة والرياض، وتدفع بالدولتين والشعبين بخطى واثقة وحثيثة نحو أفق مستقبلي واعد بالخير والازدهار؛ أفق ترتكز دعائمه على نهضة اقتصادية شاملة، ومسار إعمار مستدام، ورؤية تنموية تتجاوز الحلول المؤقتة لتؤسس لنموذج تكاملي يتجاوز الهزات الجيوستراتيجية والتحولات الإقليمية والدولية المتعاقبة، فلم تعد هذه العلاقات محصورة في الأطر التقليدية للتعاون الدبلوماسي أو الزيارات البروتوكولية، بل تطورت لتصبح "صمام أمان" وركيزة أساسية من ركائز الوعي العربي المشترك.
هذا الوعي الجمعي يطرح اليوم رؤية إقليمية واضحة المعالم، تسعى إلى إرساء السلام الشامل وتعزيز الطمأنينة والاستقرار مع دول العالم أجمع، انطلاقا من إرادة سياسية صلبة تأبى الانقسام، وتقوض الأجندات التخريبية، وتجهض خبث المآرب والتحركات المتربصة بالمنطقة .

كما بعثت القمة برسالة واضحة مفادها أن القاهرة والرياض تقفان على أرضية واحدة في الدفاع عن الأمن العربي، ودعم استقرار الدول العربية، والتعامل مع التحديات الإقليمية من خلال التنسيق والتشاور المستمر، وهو ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي حينما شدد على أن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، مما يعكس ثوابت الموقف المصري تجاه أمن الأشقاء العرب، معلنا بشكل واضح رفض مصر الكامل لأي تهديدات تمس سيادة المملكة أو استقرارها أو سلامة أراضيها.

وقد أظهرت المباحثات وجود رؤية مشتركة وتوافق تام بين القاهرة والرياض تجاه التعامل مع الأزمات الحادة عبر الحلول السياسية والتنسيق العربي، بعيدا عن التصعيد أو التدخلات الخارجية التي تهدد سيادة الدول.

فقد تطابقت وجهات النظر حول القضية الفلسطينية وحشد الجهود الدولية لدعم الشعب الفلسطيني الشقيق ورفع المعاناة عنه، ومواصلة الدعم الثابت لحقوقه المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وفقًا لحل الدولتين ومقررات الشرعية الدولية، وكذلك اتفقت رؤى القيادتين على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، مع الرفض القاطع لأي محاولات تهدف إلى إنشاء كيانات موازية أو تهديد وحدة البلاد وسلامة أراضيها،كما مثلت التفاهمات المستمرة درعا واقيا لتثبيت أركان الاستقرار في لبنان واليمن وليبيا، وتأكيد قدرة العاصمتين على صون الجغرافيا العربية وحمايتها، كما عكست القمة إدراكا متطابقا لأهمية مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر للاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي،فاستقرار البحر الأحمر مصلحة مباشرة للبلدين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تجسدت الإرادة المشتركة للقيادتين في العزم على ترجمة قوة العلاقات السياسية والاستراتيجية إلى شراكات اقتصادية أكثر اتساعا وعمقا،  فقد شهدت المباحثات توافقا حاسما على تكثيف العمل المشترك لتذليل العقبات وتوفير الحوافز والتيسيرات المرنة التي تضمن إزالة أي عوائق أمام زيادة حجم التبادل التجاري والتدفقات الاستثمارية بين البلدين، مما يفتح آفاقا أرحب لتدشين حزمة من المشروعات التنموية والكيانات الاقتصادية العملاقة، وتوسيع دائرة التعاون الثنائي في القطاعات الحيوية كالصناعة، والطاقة، والبنية التحتية، والخدمات، والسياحة، بما يسهم في تعزيز البيئة الجاذبة لرؤوس الأموال، ويضمن استدامة التنمية ويرسخ التكامل الاقتصادي الذي يلبي طموحات الشعبين الشقيقين ويدعم قوة الاقتصادين المصري والسعودي.

وختاما أؤكد أن العلاقات المصرية السعودية تستند إلى تاريخ طويل من الأخوة والتعاون والمواقف المشتركة، و التوافق الدائم بين البلدين يظل صمام الأمان الحقيقي والحصن المنيع لحماية الروابط الأخوية عبر الأجيال المتعاقبة، ولإرساء دعائم السلام الشامل، لتظل القاهرة بما تملكه من ثقل سياسي وجغرافي ومؤسسة عسكرية كبيرة، والرياض بما تتمتع به من ثقل اقتصادي وطاقوي ودور قيادي في العالمين العربي والإسلامي ، منارة مضيئة توجه دفة المنطقة نحو بر الأمان والاستقرار والنماء المشترك.